معضلة الطفلة الأم

بقلم: رانية فهمي
المدير التنفيذي لمؤسسة بناتي للفتيات في ظروف الشارع
  

ماذا لو تعرضت لموقف يهز أهم قناعاتك؟ موقف  لم تستطع فيه تطبيق سياسة ولوائح صارمة انت نفسك شاركت فى وضعها؟


كنت قد كتبت فى مقال سابق عن اكثر ما يؤلمنى فى العمل والحياه مع الأطفال فى ظروف الشارع وهو الإهمال والعنف اللفظى والبدنى والجنسى الذى يتعرضون له فى المنزل والشارع  وتدربنا، فى مؤسستنا التى تخدم هؤلاء الأطفال، عن طريق جهة متخصصة،  على سياسة حماية الطفل من كل اشكال الإساءة داخل المؤسسة. وخلصنا الى وضع اربعة خطوط حمراء يحظر على كل العاملين فى المؤسسة الإقتراب منها فى التعامل مع اطفالنا إما المقيمين معنا فى مركز الإقامة او المترددين علينا فى مركز الإستقبال وهى: اى شكل من اشكال العنف اللفظى مثل وصم الطفل بأنه طفل شارع، والعنف البدنى وهو اى شكل من اشكال الضرب، والجنسى بدءا من التحرش، والإهمال المتكرر الغير متعمد كإن تنسى مشرفة اكثر من مرة اعطاء طفل الدواء او ان تغفل عنه اكثر من مرة فيقوم بإيذاء نفسه، مع العلم ان المشرفة الواحدة المقيمة عليها رعاية 7 او 8 أطفال صغار. الجزاء عند تخطى هذه الخطوط: الفصل من العمل. ولكن، ماذا لو كانت المعنفة هنا هى الأم ذاتها وماذا لو كانت الأم نفسها هى طفلة لم تتجاوز  ال18 عاما تتردد على مركز الإستقبال التابع لنا وحتى تعمل به كوسيلة لكسب العيش وتترك ابنتها عندنا فى مركز الإقامة والإبنة لم تتجاوز الأربع سنوات لأن الأم لا تستطيع التكفل بها ولأن زوجها يضرب الإبنة التى هى ليست ابنته؟


ام آيه، وهى الأم بطلة القصة هنا، جاءت لمركز الإقامة تأخذ ابنتها زيارة قصيرة لمنزلها، كما يفعل غالبية اهالى الأطفال عندنا حيث يقومون بأخذ ابنائهم لمدة وخاصة فى الأعياد، وهذه قصة اخرى. كانت تصرخ فى وجه مدير الإقامة إعتراضا على الملابس التى استلمت بها ابنتها ووصفتها بالرثة. حاول الموظف المسؤول شرح انها تأخذ الإبنة بملابس جديدة كل مرة ولا تعيدها مع انتهاء الزيارة وإعادة البنت الى المؤسسة مرة ثانية. احتدت ام آيه على الموظف مما جعله يحتد عليها هو الآخر وقررت الأم اخذ الإبنة نهائيا وعدم إعادتها للمؤسسة. وفى غمرة إنفعالها، انقضت ام آيه على ابنتها تنزع عنها الملابس التى لا تعجبها وعندما بدأت آيه فى البكاء صفعتها امها بكل قوتها على وجهها عدة مرات. فزعت البنت وجرت ناحية الموظف ومشرفى الإقامة  رافضة الذهاب مع الأم.

 
عند تأزم الموقف لهذا الحد، جاءتنى مشرفة إقامة فى مكتبى تسرد بسرعة على الأحداث وتطلب المساعدة. وجدت نفسى فى معضلة شديدة: هذه إبنتنا وهذه ابنتنا.  هذه تقترف فعلا من اكثر الأفعال المكروهة على نفسى: ضرب وضرب مبرح وبدون سبب لبنت لم تقترف اثما الا انها عبرت عن رعبها واعتراضها على سوء المعاملة، والإبنة الثانية أعرف عنها سلاطة اللسان والصوت الجهورى ولكن تخفى وراء هذا اللسان وهذا الصوت شخصا فى غاية الطيبة والإنكسار. لو كانت هذه الأم تعمل معنا لفصلت من العمل فى الحال ولكنها الأم وأم هى الأخرى فى ظروف الشارع ، اى ان آيه تعتبر من الجيل الثانى للأطفال فى ظروف الشارع.

 
ذهبت الى حيث ام آية التى كانت بركانا من الغضب وسحبتها من يدها بدون كلمة واحدة. سارت معى الى المكتب . احتضنتها واخذت اسألها بهدوء عن سبب هذه المعركة. "يا أبله، الأستاذ محمد بهدلنى وقاللى انه مش حيدينى البنت، ازاى يعنى دى بنتى وهو جايبهالى لابسه لبس مبهدل. هو يعنى علشان احنا غلابة وعلشان انا مش قادرة اقعدها معايا يعمل فيا كدة؟ هو احنا يعنى من الشارع؟" كنت أعلم ان كل الجمل التى تفوهت بها هى حفنة من المغالطات والإفتراءات لكنى قلت لها: "لأ انتى وبنتك على عينا وراسنا وانا مش عايزاكى تعيطى." وأخذت اشرح لها سبب إنفعاله عليها ومعاناتنا فى الحصول على اموال لشراء ملابس جديدة او تبرعات ملابس من كل الجهات، ولكن الذى كان يعنينى من كل هذا الموقف ليست الملابس ولكن شئ اخر كلية، فقد تأكد لدى الشعور مرة تلو الأخرى أن هؤلاء "الغلابة" لا يملكون الا شيئا واحدا: عزة أنفسهم،  وان السبب الذى استشاطت منه ام آية هو انها شعرت عندما رأت ابنتها بملابس لا تعجبها، وعندما احتد عليها محمد، شعرت بكل ضعفها وعجزها على ابقاء ابنتها معها لظروفها المعيشية المتردية ولسوء معاملة زوجها للإبنة وإضطرارها الى احتمال ذلك لعدم وجود عائل، خاصة وانا اعلم ان ام آية، ككثير مثلها، قد تعرضت لكل انواع الإغتصاب والإنتهاك على مدار حياتها حتى انها قالت لى منذ فترة عندما عرضنا عليها وعلى مجموعة اخرى من البنات العمل فى مشغل: " انا تعبت يا أبله كتير فى حياتى وعايزة شغلانه سهلة" فوظفناها كعاملة نظافة فى مركز الإستفبال.
 

اخذت فى تهدئة ام آيه حتى عدلت عن فكرة اخذ آية من المؤسسة وقلت لها ان بيتنا مفتوح دائما لها ولإبنتها. هل إتخذت موقفا صحيحا عندما تغاضيت عن تطبيق سياسة حماية ابنة من بناتنا حيث كان من المفترض ان ارفض انا الأخرى تسليم البنت لإعتداء أمها عليها حتى لو لم نمتلك كمنظمة مجتمع مدنى حق سحب الطفل من احد ابويه فى حال تعرضه للعنف، وفضلت نصرة أمها المعتدية؟ لا اعلم، ولكن مديرة مركز الإستقبال التابع لبناتى قالت لى ان ام آية اعترفت لها بخطئها فى الصراخ فى وجه الموظفين الذين يرعون ابنتها . وانها شعرت انها "بنى ادمة لما الأبلة خدتنى اودتها وحضنتنى!!!!"

 
آيه عادت من الزيارة للمؤسسة فى اليوم المتفق فيه مع امها وعندما سألتها: "اتبسطى عند امك يا آيه ؟" "قالت بمنتهى العفوية: "آه وماما مضربتنيش خالص!"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق